الشيخ الطبرسي

6

تفسير جوامع الجامع

أَقربُ إليهِم من غَيرِها من المخلُوقاتِ فَيتَدبَّروا ما أَودَعَها اللهُ من غَرائبِ الحِكَمِ الدالّةِ علَى التدبيرِ دونَ الإِهْمال ؟ وقُولُه : ( إلاَّ بِالْحقِّ وأجَل مُسَمًّى ) أي : ما خَلَقَها باطِلا وعَبَثَاً بغيرِ غَرَض صَحيح ، وإنَّما خَلَقَها مقرُونةً بالحَقِّ مَصحُوبةً بالحكمةِ وبتَقْديرِ أَجَل مُسَمّىً لابدَّ أن يَنتَهي إليهِ ، وهو قيامُ السَاعةِ ووقْتُ الجَزَاءِ والحسابِ ، والمُرادُ بلقاءِ ربِّهِم : الأَجَلُ المُسمَّى ، والباءُ في ( بالحَقِّ ) مثلُها في قولِكِ : اشتَريتُ الفَرَسَ بسَرجِهِ وَلِجَامِه . ( أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَْرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ الأَْرْضَ وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 9 ) ثُمَّ كَانَ عَقِبَةَ الَّذِينَ أَسَواْ السُّوأَى أَن كَذَّبُواْ بِايَتِ اللهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ ( 10 ) اللهُ يَبْدَؤُاْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 11 ) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ ( 12 ) وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَآئِهِمْ شُفَعَؤُاْ وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ كَفِرِينَ ( 13 ) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذ يَتَفَرَّقُونَ ( 14 ) فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَهُمْ فِي رَوْضَة يُحْبَرُونَ ( 15 ) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُوا بَايَتِنَا وَلِقَآِى الآخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ( 16 ) ) هذا تَقريرٌ لسَيرِهِم في البلادِ ونَظَرِهِم إلى آثارِ المُهْلَكِينَ من الأُمم الخَاليةِ بتَكذيبِهِم الرُّسُل ، ثُمَّ وَصَفَ أَحوَالَهُم وأنَّهُم ( كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأثَارُواْ الاَرْضَ ) أي : حَرَثُوا الأَرضَ ، وسُمِّيَ الثَّورَ لإِثارتِهِ الأَرضَ ، والبقرةَ لِبَقْرِهَا ، وهو الشَّقُّ ( وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَّا ) عَمَرَ هؤلاءُ ( فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ ) بتَدميرِهِ إيَّاهُم ، لأنَّ حالَهُ منافيةٌ للظُلْمِ ولكنَّهم ظَلَمُوا أَنفسَهُم بفعْلِهِم ما أَوجَبَ تَدميرَهُم .